صفي الرحمان مباركفوري
300
الرحيق المختوم
به . ركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرة على حمار ، ليعود سعد بن عبادة ، فمر بمجلس فيه عبد اللّه بن أبي ، فحمر ابن أبي أنفه وقال : لا تغيروا علينا . ولما تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المجلس القرآن ، قال : اجلس في بيتك ، ولا تغشنا في مجلسنا « 1 » . وهذا قبل أن يتظاهر الإسلام ، ولما تظاهر به بعد بدر ، لم يزل إلا عدوا للّه ولرسوله وللمؤمنين ، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي ، وتوهين كلمة الإسلام ، وكان يوالي أعداءه ، وقد تدخل في أمر بني قينقاع كما ذكرنا ، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين ، وإثارة الارتباك والفوضى في صفوفهم بما مضى . وكان من شدة مكر هذا المنافق وخداعه بالمؤمنين ، أنه كان بعد التظاهر بالإسلام ، يقوم كل جمعة حين يجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للخطبة ، فيقول : هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهركم ، أكرمكم اللّه وأعزكم به ، فانصروه ، وعزروه ، واسمعوا له وأطيعوا ، ثم يجلس ، فيقوم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويخطب ، وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يوم الجمعة التي بعد أحد - مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع - قام ليقول ما كان يقوله من قبل ، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ، وقالوا له : اجلس أي عدو اللّه ، لست لذلك بأهل ، وقد صنعت ما صنعت ، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : واللّه لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره ، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال : ويلك ، ارجع يستغفر لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : واللّه ما أبتغي أن يستغفر لي « 2 » . وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين ، حتى قال لهم : لئن أخرجتم لنخرجن معكم ، ولئن قوتلتم لننصرنكم . وكذلك فعل هو وأصحابه في غزوة الأحزاب من : إثارة القلق والاضطراب ، وإلقاء الرعب والدهشة في قلوب المؤمنين ما قد قص اللّه تعالى في سورة الأحزاب وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً إلى قوله : يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ ، وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا . بيد أن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفون جيدا من
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 584 ، 587 . صحيح البخاري 2 / 924 ، وصحيح مسلم 2 / 9 . ( 2 ) ابن هشام 2 / 105 .